mercredi 12 septembre 2012

عن اغتيال ابن الأشرف

ضعف المسلمين اليوم أسبابه عديدة وتفوق الحصر، لكن هنا سأركز على تهاونهم في معافبة أعدائهم، بمناسبة الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم والذي أنتجه نصارى مصر القاطنين خارجها بمساعدة أمريكية إسرائيلية كما تقول التقارير الإخبارية.

هل تعلم مثلا أن الإسلام كان يعي منذ البداية أثر الإعلام في هدم أو بناء الدول؟.. طبعا أشهر مثال هو شاعر الرسول وكيف كان حسان بن ثابت يهجو أعداء الإسلام بأبيات تثيرهم وتفضحهم وتنتشر بين القبائل العربية كالنار في الهشيم.
وفي الطرف المقابل كان كفار مكة واليهود يستخدمون نفس الطريقة للهجوم على المسلمين ودولتهم الوليدة حينئذ، وأشهر حادثة تمثل هذا الأمر هي قصة كعب بن الأشرف المولود من أب عربي وأم يهودية، وكيف أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم فريقا صغيرا يتكون من بضعة رجال لاغتياله في عقر داره!

فلو قرأت حديق مقتل كعب في صحيح البخاري لرأيت كيف رد المسلمون على شعر ابن الأشرف الذي شبب بنساء المسلمين في أبياته وسب الرسول وآذى الله وهاجم الإسلام. لكن المشكلة أن بعض المسلمين الآن داخلتهم أخلاق كنسية تدعو للخوار أمام الهجوم، وأن تعطي خدك الأيسر لمن ضرب خدك الأيمن، ولم تفكر حكومة واحدة في إرسال فريق مخابراتي يغتال من هاجموا الرسول، ليكونوا عبرة لمن يعتبر!
-----
وبمناسبة ذكر هذه الحادثة التاريخية.. هل تعلم أن فولتير الكاتب الفرنسي العلماني الماسوني ألف مسرحية يسخر فيها من الرسول صلى الله عليه وسلم وتدور حبكتها الأساسية حول قصة اغتيال كعب؟!

المسرحية اسمها (التعصب، أو محمد الرسول)
Le fanatisme, ou Mahomet le Prophete


أين الشدياق وشاكر والمويلحي في مناهجنا التعليمية؟

لن تصبح الثورة المصرية حقيقة طالما المناهج التعليمية على حالها!
مشكلة هذه المناهج ليست في مجرد "خطأ" ما تعلمه للطلاب بل في ما تتجنب ذكره، وتحجبه عن جيل لم يتعود القراءة خارج الكتب المدرسية!
فهي في الحقيقة حشو لمادة تعليمية غير مهمة بغرض الاستيلاء على أي وقت فراغ لدى الطالب قد يؤدي به لإشباع فضوله المعرفي - إن كانت المناهج مختصرة وتركز على تعليمه طرق البحث عن المعلومة في المقام الأول دون تقديمها له بسهولة فينساها فيما بعد! - وهذا الفضول المعرفي هو الفارق بين أي طالب يحب العلم وآخر يكرهه.

من من أجيال الطلبة الحاليين يعرف أبا فهر محمود محمد شاكر علامة اللغة العربية والأدب الذي كتب وألف عشرات الكتب التي لم يسبق إليها؟!
من من طلبة الجامعات سمع عن أحمد فارس الشدياق أمير النثر العربي الذي كاد يفوق الجاحظ في موسوعيته الأدبية وظرف مؤلفاته وغزارتها؟!
من من دارسي كليات الآداب قرأ حديث عيسى بن هشام للمويلحي والذي يعتبر أول رواية عربية في العصر الحديث؟!

الشدياق - المويلحي - شاكر

لو كنا دولة تحترم عقلية طلاب العلم فيها لما أخفينا هذه الدرر عنهم، لمجرد أنها تربي العقلية الناقدة للقارئ وتساعده على بناء شخصية ثقافية مستقلة، مما يؤدي بالضرورة إلى زيادة وعيه وتمرده على القوالب الثقافية المفتعلة والفارغة التي تصدرها وزارة "الثقافة" وأدباء حظيرة (فاروق حسني) إلى اليوم!!

لا عجب أن يكره التلاميذ القراءة إذا كان كل تصورهم عنها هو ما يتم تلقينه لهم في مناهجهم العقيمة.
لكن الأعجب هو أن يستمر الحال على ما هو عليه بعد الثورة، وكأن جريمة مبارك الوحيدة كانت سرقة الأموال وقتل المتظاهرين ولم يكن العامل الأساسي في انتشار الجهل بين المصريين ولا كان ناشرا للإباحية الأدبية والسطحية الفكرية طوال سنوات حكمه!!


dimanche 9 septembre 2012

أوهام صوفية وتجربة روحية

"...وعندما تحقق ما كان يريد لم يكن كما تصوره!.. فالكهف في الصباح كان فارغا إلا من أثر الرماد"

-----
كل شيء في مكانه والعالم يسوده الهدوء..
الدخان الأزرق يحيطني.. الضباب يملأ فراغ الكهف.. وعقلي انقشعت عنه أخيرا سحابة الضباب.
أشعر بالابتسامة ترتسم ببطء على وجهي إذ يهجم سيل الأفكار. كشوفات.. إشراقات.. فتوحات.. كلها تنتظرني فور تبدد حالة الغفلة التي لازمتني منذ بدأت أنا.
ما أجمله من شعور نوراني!.. شمس الوضوح تسطع من جديد بعد أن كاد ليل الجهل يخيم على الروح ويقتلني خنقا تحت ركامه.. توافه "الحياة العادية" ومشاكلها وصخبها.. كل هذا لا يوزن بشيء حسب المقياس العام للأمور.
ها أنا الآن في حالة سلام مع الكون.. كل شيء في مكانه الطبيعي والكهف يسوده الهدوء.
خطرت في ذهني خاطرة.. برقت لهنيهة ثم طواها النسيان، لكن سرعان ما حلت أخرى محلها. كم هو جميل أن تجلس منفردا، بعيدا عن الناس، منزويا عن ضوضاء الحياة، وفي نفس الآن تكون متصلا بكل شيء!
ساعتها يعمل الذهن كجهاز استقبال.. لا تقف في طريق الموجات حوائط ولا جدران.. لا تعوقه المسافات الشاسعة ولا تعجزه محدودية الحواس.
ساعتها يصير عقلك جزءا من الشبكة العالمية للعقول!.. تنساب الأفكار من هنا لهناك، ومن هناك إلى هنا في يسر وسلاسة منقطعة النظير.
لو فهم أهل التكنولوجيا أسرار هذه الطريقة وقدراتها لتواروا خجلا مع علومهم القاصرة، ولوجهوا طاقاتهم  لدراستها، وأفنوا في هذا الأعمار بعد أن كانوا يرفضون مجرد الاعتراف بوجودها!
لكن هيهات..
ضباب عقولهم المحدودة يحجبهم عن رؤية النور.
قبل أن تتبدد ظلمة الجهل يجب أن تصفو الروح فوق ارتباطها بالمادة. ذلك الارتباط الذي يكبلها عن معرفة الحقيقة، ويكتم قبس الإشراق كلما حاول العقل النفاذ من المتاهة المظلمة.

لكن كفاني تفكيرا في الآخرين. طاقاتهم السلبية قد تسلبني ما تحصّل لي من ضياء، وما جمعته بعد جهد من مخزون الإيجابية.
أفكاري تسبح في حرية. أنا في مكاني المناسب من العالم وجدران كهفي تحميني في هدوء.
لو رآني الآن غريب لامتلأ قلبه رعبا وولى هاربا من فوره!
فمن من هؤلاء "العاديين" سيفهم ما أنا عليه الآن؟.. من منهم سيتحمل عقله غير المدرب منظر جسدي كما هو الآن؟.. هالة من الإشعاع تحتويني داخلها، وانا متربع على أرضية الكهف الرطبة، أمام الأخشاب المشتعلة التي تحرق داخلها ما يتحول سريعا لدخان أزرق كثيف يعطر جو المكان.
العبق والنور وجفوني المغلقة وطقطقة النار وسيل الأفكار.
لو لم يكن هذا هو سلام النفس الحقيقي فلا أدري كيف يكون السلام!

لو لم يأتني مرادي الآن بعد كل ما هيأت من ظروف وقدمت من تضحيات وجهزت من تحضيرات فلا أظنه يأتي أبدا!!
فكرة واحدة عبقرية.. هذا كل ما أبحث عنه.
ومضة واحدة تبرق فجأة في جوانب العقل.
ياه.. كم أضناني انتظارها وكم كبدني البحث عنها من مشاق!
لكنها تقترب.. أكاد أشعر بها وأشم ملمسها وأرى رائحتها!
لا شك عندي أني أقترب.
اللحظة المبتغاة هي الآن على الأبواب.. تطرق باب عقلي لتدخل.. ضيف طال الشوق إلى مجيئه.
كل ما عليّ هو أن أفلح في استقبالها.. في اقتناصها فور ظهورها.. وبعدها سيتغير كل شيء بالتأكيد.

لكن..
ماذا لو لم يتحملها عقلي؟!
ماذا لو كانت الفكرة هائلة، شديدة الإشراق والعبقرية فحرقت أسلاكي إذ لم تستوعبها؟!
كالشمس تحاول وهب بعض ضوئها لشمعة صغيرة فإذا بها تسيح وتختفي من الوجود حتى قبل أن يكتمل اقتراب الشمس منها!

لكن لا وقت للشك الآن ولا للتردد. انفض عنك مخاوفك وطاقتك السلبية، فلن يسلب منك نجاحك بعض الأوهام.
فمشوار السعي الطويل يقترب من نهايته السعيدة..
أشعر بالطاقة تغمرني وإحساس عجيب غير مسبوق ينتابني..
كأن كل ذرة في الجسد تهتز راقصة.. طرب يفوق كل طرب أحسسته قبل اليوم..
نوبة طاقة أو صرعة نشوة أو شيء آخر يعجز ذهني الآن عن وصفه..
لكنها ستنتهي.. وعندها سيكون كل شيء في مكانه والعالم يسوده الهدوء من جديد..
وأنا شخص جديد..
لا شك عندي.




المسيري وعجرم

من الشخصيات الأكاديمية التي انخدع بها أنصاف المثقفين بمصر الدكتور الراحل عبد الوهاب المسيري!.. فالقارئ لما كتبه يرى فيه مدافعا - من طرف خفي - عن اليهود، في حين يتم تصدير اسمه كعدو للصهيونية وباحث مخضرم في أدبياتها!
اقرأ مثلا الكتاب الضخم الذي رد فيه الدكتور بهاء الأمير على أوهام المسيري والذي أسماه: الوحي ونقيضه، لتفهم بعض ما أعني.
هذا غير أسلوبه الذي كان يتبعه في الجمع بين المظهر الإسلامي الفكري "الحديث" بأن يبدأ محاضراته مثلا بالبسملة والحمد لله، ثم يحشو كلامه بذكر نانسي عجرم والمغنية روبي ومثيلاتهما، بل ويدعو الطلبة للاتصال هاتفيا به فور عرض القنوات لكليباتهما لأنه يدرس الحركات الجنسية التي تعرضها الفيديوهات المصورة هذه، وتأثيرها على ثقافة المجتمع!
عبد الوهاب المسيري

لهذا لا أعجب من احتفاء الليبراليين به لأنهم يرون في فكره بديلا عن المنهج الإسلامي المستقيم، ولأنه "منفتح" على ثقافتهم و"بحبوح" في الكثير من المسائل الشرعية!

ولو اطلعت على موسوعته المحتفى بها والمسماة اليهود واليهودية والصهيونية لوجدت الكثير والكثير من التفاصيل التاريخية ثم لا تصل إلى نتيجة واضحة في مسألة الصهيونية العالمية ونفوذ اليهود الإعلامي والاقتصادي وتخريبهم للثقافة على مر العصور!
وأنا ممن ينصحون باستخدام كتبه كمراجع للمعلومات فقط، وترك كل استنتاجاته ومصطلحاته المخترعة وفقراته التي يوجه القارئ فيها لوجهة معينة مقصودة لغرض في نفسه. فالرجل كان ناقلا جيدا من المراجع الغربية، وهذا يحسب له على الأقل.
-----

اقتباس من كلام المسيري: ’’
وقد درست ثلاث أغاني مصورة لروبي ووجدت فيها أن المخرج يحاول باستمرار أن يعمق الجانب الجسدي فيها لدرجة أنه في آخر أغانيها المصورة لجأ المخرج لرموز جنسية كالثعبان وأشياء من هذا القبيل.
بينما مخرج أغاني نانسي عجرم يتعمق في الجانب العادي والطبيعي. يظل الجسد حاضرا ويظل هو المركز ولكن مع وضع جوانب إنسانية. فإحدى الأغاني تتسم بالحزن وفي أغنية أخرى نجد فتاة تغني لخطيبها. ‘‘

mercredi 5 septembre 2012

ريبيكا بلاك ويوم الجمعة

عندما تعلم أن والدة الفتاة (ريبيكا بلاك) Rebecca Black قالت متفاخرة ’’كانت تلك أفضل 4 آلاف دولار أنفقتها على الإطلاق!‘‘ فتأكد عزيزي القارئ أنه لا أمل في شفاء المجتمع الأمريكي من مرض (البحث عن الشهرة بأي طريقة كانت)!

الحكاية، التى حدثت فى العام الماضى، في مجملها أن إحدى الفتيات الأمريكيات كانت تحلم دائما - كالكثير من قريناتها هناك - بأن تصبح مطربة شهيرة تشبه هؤلاء اللاتي تراهن على الشاشة أمثال (بريتني سبيرز) و(مايلي سايرس). فبريق الشهرة - مهما كان الدافع لهذه الشهرة تافها أو حتى سلبيا مما قد نعتبره نحن فضيحة أحيانا - أعمى الكثيرات ممن خرجن للحياة وسط هذا الجو الذي يمجد "النجوم"، ويصف فيه الإعلام كل من تجيد بعض حركات الرقص المبتذلة بأنها "فنانة موهوبة" و Talented

وليست الفتاة الصغيرة التي نتحدث عنها هنا مختلفة للأسف عن بنات جيلها، لهذا لا يعد عجيبا أنها كانت تحلم بشهرة مماثلة، لكن الاختلاف هو أنها لم تكتف بالحلم بل سعت - بمساعدة أمها! - لتحقيقه.

وأسلوب تحقيق الحلم كان أن دفعت الأم مبلغا زهيدا (بالنسبة لنتيجته التي ترتبت عليه) لإحدى الشركات الصغيرة التي تتخصص في التسجيل الصوتي للأغاني، مع إضافة الكثير من المؤثرات والتعديلات التي قد تحول أي صوت نشاز إلى شيء مفبرك ومصطنع يغطي على سوء الصوت الأصلي، غالبا باستخدام برنامج Auto-Tune.

وإن لم تخني الذاكرة، فالمال كان يعتبر هدية ذكرى ميلاد الفتاة، والتي لا تتجاوز الـ 13 سنة بالمناسبة!

تكفل الاستوديو بكتابة كلمات الأغنية المطلوبة وإنتاج لحن إيقاعي "شبابي" سريع، بالإضافة لتصوير (فيديو كليب) بسيط للفتاة (ريبيكا) وحولها بضعة فتيات يقاربنها في العمر ... حيث حال صغر الميزانية التي دفعتها الأم دون التوسع في الإضافات الشكلية التجميلية التي تكون موجودة غالبا في الأغاني المصورة بشكل احترافي.

وبعد انتهاء العمل على "المنتج" المطلوب، تم وضعه على موقع اليوتيوب الشهير ليشاهده كل من أراد

وما هي إلا أيام وإذا بالفيديو تتصاعد أعداد مشاهدته بدرجة مخيفة وغير متوقعة. ملايين الناس شاهدوه على الإنترنت ... وسخر أغلبهم من الكلمات الطفولية الساذجة للأغنية، لكن هذه السخرية أدت لزيادة فضول الآخرين للتعرف على الأغنية بأنفسهم. وهكذا انطلقت الفتاة على متن صاروخ الشهرة بعد أن كانت منذ وقت قصير مجرد بنت عادية لا يميزها عن أشباهها الكثير. وتحقق بذلك هدف (ريبيكا بلاك) وأمها.

والأغنية نفسها دليل آخر على ابتذال ’الثقافة العامة‘ للأمريكيين الآن. فلا هي تناقش قضية ما ولا حتى تتحدث عن الرومانسية والحب كآلاف غيرها ... بل اسمها (يوم الجمعة) Friday - والذي يقابل في المعنى يوم الخميس عندنا، أي آخر يوم عمل أو دراسة في الأسبوع - وتدور حول سعادة الفتاة البالغة باقتراب الإجازة!

ولا تتوقف سطحية الكلمات والمعاني عند هذا الحد، بل في مقطع صار شهيرا من كثرة السخرية منه في الإعلام وعلى صفحات الإنترنت تقول الأغنية:

’’الأمس كان الخميس واليوم هو الجمعة. الغد هو السبت وبعده يأتي الأحد!!‘‘

فيا له من اكتشاف مذهل أتحفتنا به الآنسة ريبيكا بلاك، وإن كنت أراه مناسبا أكثر لحلقة تعليمية من برنامج الأطفال عالم سمسم!

لكن بما أن المجتمع الأمريكي في غالبيته أصبح يمجد المشاهير لمجرد كونهم مشهورين، بغض النظر عما قدموه ليستحقوا هذه الشهرة أصلا، فقد رأينا الفتاة تحصل على عقد لتسجيل ألبوم موسيقي خاص بها، ورأينا وقوع نزاع قانوني بين والدتها والشركة التي سجلت الأغنية بخصوص تقسيم الأرباح الكبيرة التي يدرها تحميل ملف الـ Mp3 الخاص بالأغنية من موقع iTunes بسعر 99 سنت أمريكي للمرة!

ولا تعجب عزيزي القارئ، فالمهزلة لم تنته بعد.. حيث ظهرت الفتاة ريبيكا ضمن فيديو كليب للمطربة الشهيرة (كاتي بيري Katy Perry) مما زاد بطبيعة الحال من ارتفاع ’موجة الشهرة‘ التي ركبتها الفتاة، وأقنع العديد من الفتيات الأخريات المغمورات أن حلمهن الوهمي بالنجومية يمكن أن يصير حقيقة فعلا ... فـ ريبيكا لا تزيد في نظرهن عنهن شيئا، ولا تملك من المقومات والمواهب ما يفوق مواهبهن!

مع أن الحقيقة الصادمة هي أن نسبة صغيرة جدا هي من تحوز الشهرة وتتسلط عليها الأضواء، في حين يضيع الآلاف الآخرون أوقاتا وأموالا خلال محاولاتهم الفاشلة للوصول لما يشتهون ... وينتهون غالبا دون أن يسمع بهم أحد.

والقصص الواقعية كثيرة وتحكي لكل عاقل كيف كانت خيبة الأمل هي المحطة الأخيرة غالبا في رحلة اللاهثين خلف قطار الشهرة.

إنه، وبكل وضوح وبساطة مرض اجتماعي أصاب الأجيال الحالية بأمريكا وكل بلد آخر يحاول تقليد النموذج الثقافي الأمريكي، وهو نتيجة الانغماس الدائم منذ الطفولة في عالم صناعة الترفيه الإعلامي، وإدمان متابعة أخبار الممثلين والمغنيين والنظر لحياتهم الشخصية في انبهار يصل للإجلال، وبطريقة أبعد ما تكون عن الاعتدال.

والأدهى هو ما لاحظته الدراسات التي بحثت في الموضوع، حيث يزول بالتدريج الفاصل العقلي لدى الجمهور المتفرج بين الوهم والحقيقة، وبالتالي ينحدر الشخص لحالة ذهنية يصعب عليه فيها التمييز بين ما هو ممكن حقيقي وما هو وهمي مفبرك.

والأمثلة على هذا كثيرة ولا تحتاج مني أدنى مبالغة في وصفها.. فعلى سبيل المثال، تلقى صانعو أفلام (العودة إلى المستقبل Back to the future) طلبات كثيرة من الجمهور لشراء لوح التزلج المتقدم ’الطائر‘ الذي ظهر بطل الفيلم يستخدمه، مما اضطر شركة الإنتاج للإعلان بوضوح عدة مرات أنه مجرد خدعة سينمائية، وأن (لوح التزلج المضاد للجاذبية) الذي يحاول الكثيرون شراؤه هو شيء لم يخترع بعد!!

تصور معي المأساة التي ستتولد عندما تصطدم الفتيات الصغيرات - اللاتي يحلمن من الآن بتقليد ريبيكا بلاك والسير على هدى خطاها - بالواقع الجاف الذي لا يشبه العالم السرابي الوهمي الذي كن يتصورن وجوده.

ترى كم من طاقاتهن وأعمارهن سيكون قد ضاع بالفعل في السير خلف هذا السراب؟!

lundi 3 septembre 2012

عقيدة نصارى مصر: الخضوع للرئيس وإعطاء الجزية


كمسلمين مصريين، علينا ألا نخدع أنفسنا أكثر من هذا!!.. التيارات العلمانية الليبرالية لا تخفي هدفها من التمسح في القيادات الكنسية المصرية ومن محاولة خلق تحالف نصراني\ليبرالي موحد.. والهدف هو
تعطيل مسيرة الإسلاميين الساعين لتحكيم شريعة الله كما أمر،
والإبقاء على الوضع الديني المائع الذي ساد أيام حكم مبارك.

فخلال عهده البائد كان الدستور ينص على أن "مبادئ" الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، لكنها - بصياغتها تلك - منزوعة "الدسم" وقليلة الحيلة!
ولما تغير الوضع، وانقلبت موازين القوى، وصار الفاسق سجينا بعد أن كان حاكما، والمؤمن رئيسا بعد أن كان سجينا، اشرأبت الأعناق لترى النصر الإسلامي الموعود، وحكم الشرع المنشود.. وراح سادات العلماء لوضع الدستور، ولتعديل ما أعوج .. وإن زاحمهم للأسف في جمعهم التأسيسي بعض أسافل الناس وجهلائهم ممن لا يعرفون من الإسلام غير ما علمهم إياه "عادل إمام" في أفلامه، ولقنهم إياه أساطين الكفر الغربيون وفلاسفته!
لكنه وضع قبله الناس على مضض، وتغاضوا عن عجيب أمره. إذ كيف يظن ضالو العقيدة أن من حقهم وضع مواد دستورية تحكم حياة المسلمين؟!..
لا أرى في ظنهم هذا سوى فراغ عقل، كطفل يريد أن يملي رغباته على الكبار، وهم يصبرون عليه، لا لشيء سوى لتأكدهم من ضعف عقله وعدم مسؤوليته عن أفعاله بعد.

لكن بما أن تحالف التيارات المسيحية - والمسيح برئ منهم - رأت مصلحتها مشتركة مع بني علمان فعلينا توضيح مسألة قد تغيب عن كثير من إخواننا، وخاصة بعد تواتر الأنباء برغبة البعض في وضع مادة دستورية تقول "وعلى أصحاب الديانات الأخرى الاحتكام لشرائعهم" أو ما شابه ذلك.

فالعقيدة النصرانية المبتدعة تحكم على متبعيها بأمور قد لا تعجب الثلة العلمانية، ولا أظن "شركاء الوطن" يرغبون لها أن تظهر للعلن، أو يتم تطبيقها!

فهل تصدق مثلا أن يوافق أصحاب التحالف النصراني-الليبرالي على قانون للجزية، وآخر يمنع الخروج على الحاكم؟!
لا أظنهم يوافقون.. لكن النصوص صريحة وواضحة.. الإنجيل الحالي يحكم على أتباع الكنيسة بإعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، وألا يعارضوا الحاكم ولو كان "شريرا" مخالفا لهم في الدين، بل عليهم السمع له والطاعة والدعاء له!

والسؤال الآن، لم لم تتم مناقشة هذه المسألة في العلن أو داخل اللجنة التأسيسية؟.. هل يتحرج أصحابها منها أم أنهم حرفوها كعادة أسلافهم؟

ألم يقل بولس في رسالة رومية (الإصحاح 13 الأعداد 1-7)

  • لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان إلا من الله، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله
  • حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة
  • فإن الحكام ليسوا خوفا للاعمال الصالحة بل للشريرة، أفتريد ان لا تخاف السلطان؟ افعل الصلاح فيكون لك مدح منه
  • لأنه خادم الله للصلاح. ولكن ان فعلت الشر فخف لأنه لا يحمل السيف عبثا، إذ هو خادم الله منتقم للغضب مِن الذي يفعل الشر
  • لذلك يلزم أن يُخضع له، ليس بسبب الغضب فقط بل أيضا بسبب الضمير
  • فإنكم لأجل هذا توفون الجزية ايضا، إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه
  • فأعطوا الجميع حقوقهم: الجزية لمن له الجزية. الجباية لمن له الجباية. والخوف لمن له الخوف. والإكرام لمن له الإكرام.

انظر تفسير القمص تادرس يعقوب ملطي حيث يقول:
والجزية هنا يقصد بها ما يأخذه الحاكم على النفوس والعقارات.

وانظر للقس أنطونيوس فكري حين يقول:
فالسلطة مرتبة من الله، لذلك علينا أن نخضع للملك مهما كان شريرًا، وليس للملك وحده بل لكل الهيئة الحاكمة معه، وهكذا يتواصل هذا الكلام مع الإصحاح السابق الذي قال فيه لا تجازوا أحدا عن شر بشر. والكنيسة تصلي من أجل الملك والرئيس ومشيريه لكي يعطيهم الرب حكمة وسلام لصالح الكنيسة. والسلاطين الكائنة مهما كان نوعها ملكية أو جمهورية مرتبة من الله.

فهذه هي عقيدتهم في الحكم.. نقلتها إليك بإيجاز، وما على الليبراليين الآن سوى مصارحتنا بشيء واحد: هل هم في تحالفهم مع الكنيسة يقبلون هذه العقائد أم أنهم لا يهتمون سوى بجمع أكبر حشد ممكن لمحاربة الحركة الإسلامية، مهما اختلفوا مع حليفهم في الأفكار والمعتقدات؟

وعلى أقباط مصر أن يصارحونا بشيء أيضا، إذ كيف يعارض بعضهم الرئيس ومستشاريه من الإخوان المسلمين، في حين أن كتابهم ينهاهم صراحة عن مثل هذا؟
-----

سلامة المصري

samedi 1 septembre 2012

الحفظ طريق الثقافة

(خاطرة فكرية عابرة أسجلها هنا بشكل سريع قبل أن تضيع من ذهني)
-----
نظام (مبارك) التعليمي والإعلامي زرع في جيل الشباب مقولة خاطئة ومزيفة، كانت حصيلتها التخلف الثقافي الغالب عليهم اليوم
وهي أن الحفظ غير مطلوب للتعلم.
وانتشر وصف "حافظ مش فاهم" كنوع من السباب والاتهام بالجهل
في حين أن تاريخ العلم والثقافة يخبرنا بشيء مخالف تماما
فالشاعر كان يجب أن يحفظ آلاف أبيات الشعر أولا ليبدأ في الإنشاء
ودارس العلوم عليه حفظ معادلات ورموز ونتائج التجارب السابقة، ليبني عليها شيئا جديدا
والشيخ عليه معرفة أغلب ما قيل في كل مسألة يريد أن يأتي فيها بتفسير جديد أو قول فقهي مختلف، وإلا كان من القائلين بغير علم
فرانسيس بيكون مثلا يقال عليه مؤسس لطريقة التفكير التجريبية في القرن السادس عشر، وأنه موسوعي ويعتبر نخبة مثقفي عصره.. وبمراجعة تاريخه نرى بوضوح كيف عكف على حفظ أقوال السابقين وظل يرددها ويسجلها حتى يبني لنفسه أعمدة قوية يمكن أن يضع فوقها فيما بعد ما سيبتكره ويستخلصه مما فات
فالحفظ هو وسيلة العلم الأولى

انظر مثلا إلى العرب النوابغ وكيف كان الحفظ هو الأساس في أساليبهم الدراسية، وكيف وصل البخاري وابن كثير والقرطبي وابن حنبل إلى مكانتهم عن طريق حفظ آلاف النصوص حرفيا، بحيث تثبت في صدورهم وتتفاعل فينتج عنها رأيا يضيفونه لسجل العلم، ويحفظه عنهم من يأتي بعدهم!!
انظر إلى سيرة العلامة محمود شاكر وكيف حفظ ديوان المتنبي كاملا قبل أن يعرف معانيه.. وكيف كان نظام الكتاتيب قديما يخرج علماء وعباقرة وأدباء، مع أنه يعتمد أساسا على حفظ الصغار لآيات القرءان قبل أن يفهموا تفسيرها ومعانيها وإعرابها وجمالياتها اللغوية إلخ.


مأساة التعليم في مصر هي نسيان الطلاب للمناهج الدراسية فور انتهاء العام الدراسي
لكن لو كانوا يحفظونها طوال عمرهم لتراكمت المعرفة في عقولهم، عاما دراسيا بعد عام، إلى أن يخرجوا من أعوام الدراسة مثقفين بالفعل، ويحملون معارف جليلة في صدورهم يمكنهم استدعاؤها على ألسنتهم بكل سهولة تبعا للمسألة أو الموقف الذي يواجههم في حياتهم العملية بعد ذلك.
ولاحظ مثلا كيف أضاع اليهود والنصارى كتبهم لأنهم اعتمدوا على تدوينها فقط دون حفظها في الصدور، وبالتالي أصابها التحريف والتبديل.
لاحظ الفرق الشاسع بين كيميائي يحفظ الجدول الدوري برموزه وتفاصيله عن ظهر قلب، وآخر يحتاج كل مرة لمراجعة الجدول المكتوب ليتعرف على مدلول أي رمز يقابله في قراءاته وأبحاثه!!

ومن الآن، إن قال لك أحد هؤلاء الشباب أن الحفظ ليس مهما، فاعلم أنه لا يفهم ولا يحفظ، بل مجرد نتيجة طبيعية مأساوية لنظام التعليم المشوه الذي عبث بعقله طوال حياته.